محمد بن زكريا الرازي
27
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
وهذا مناقض لما يميل إليه في أكثر كتبه . يقول الرازي : " إن جالينوس يرى أن النفوس جواهر لها ذوات قائمة بغير جسد ، وأنها موجودة قبل الأجسام ، وهذا يناقض ما قاله في " آرائه " ؛ قال هناك : إنه لا علم له بتة بأن النفس جوهر أم عرض ، ولما يميل إليه في أكثر كتبه ولا سيما في كتابه " في أن قوى النفس تابعة لمزاج الجسد " ، فإن أكثر ميله هناك إلى أن النفس تابعة لمزاج الجسد من بخار الدم والروح الذي في بطون الدماغ ، ولم يقل - ولا في واحد منها - إنها شيء غير الجسد لها إنيّة وذات قائمة بانفراد على الجسد إلّا في هذا الكتاب . ولم يتكلم في هذا الكتاب فيها كلام شاك متوقف بل كلام ماض مستيقن ، وأخذ ذلك ( أخذا ) من غير أن يبيّنه فصار التشكك عليه متضاعفا . فليت شعري كيف يجوز للحكيم الصادق الاستهانة بالمناقضة والقول في شئ واحد بقولين مختلفين بحسب ما يحتاج إليه في غرضه الذي يقصده ، فإنه لمّا احتاج في هذا الكتاب إلى ( الإخبار ) بمنافع الأعضاء أخذ النفس على أنها جوهر لها ذات وإنيّة قبل البدن ودونه ، وأما في الموضع الآخر فيأخذها على أنها بعض الأعراض الحادثة بعد البدن وعنه . وقد بنى أمره في الكتاب على أن كل الحيوان معمول بحكمة لا وراءها غاية ، وعلى حالة لا يمكن في موادها التي منه ( عملت ) على أن يعمل منها أفضل منها . وأول ما أقول في هذا إن القائل بهذا القول يدخل عليه مطالبات وشكوك كثيرة مضطر فيها إلى الدخول مع أصحاب العلم الإلهى في جميع بحوثهم وآرائهم . وجالينوس يفرّ من ذلك دائما ، وينفّر الناس منه ويويئسهم من إصابة علمه ، ويقرّ على نفسه بالجهل والتقصير في ذلك " « 1 » .
--> ( 1 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 6 - ب .